محمد أبو زهرة

573

زهرة التفاسير

ولذلك لما سألوا هذه الأسئلة التي لا تتعلق بعلم الدين صرف الله تعالى نظرهم ، وأخذهم إلى الناحية الدينية التي يجب أن يعرفوها ويدركوها ، فقال تعالى : قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وهذا لفت لهم إلى أن الواجب أن يسألوا عن فوائدها في الدين والمعاملات ، وهذا يقال عنه في علوم البلاغة الأسلوب الحكيم ، وذلك هو أن يكون السؤال في غير موضعه فيجيب المسؤول عن أمر آخر هو الذي ينبغي أن يكون السؤال فيه ، ومن ذلك في القرآن الكريم : يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ . . . ( 215 ) [ البقرة ] ، فيجيبهم النبي صلى اللّه عليه وسلم بأمر ربه : قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ . . . ( 215 ) [ البقرة ] إلى أخر الآية الكريمة ، وكذلك هنا سألوا النبي عن الأهلة عن كونها ، وبدوّها للناظر صغيرة ثم تكبر فأمر الله تعالى نبيه بأن يقول : هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ . مواقيت للناس في معاملاتهم ، وفي بيوعهم وفي ديونهم المؤجلة وإجاراتهم ، ومزارعاتهم ، ومساقاتهم وغير ذلك مما يجرى ، وفيها تتبين مواقيت الحج ، الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ . . . ( 197 ) [ البقرة ] وبها تعين أوقات المناسك ، ويضاف إلى ذلك مواقيت الصيام ، إلى آخر ما هو معلوم في الدين وأعراف الناس . وجمع في الآية الأهلة وهي هلال واحد في كل الأوقات والشهور ، ولكن لتغير حاله من ضمور فاتساع حتى يصير بدرا ، ثم يصير كالعرجون القديم عدت هذه الصور أهلة ، وإن كانت الحقيقة واحدة ، والتغير في المنظر بسبب توسط الأرض بين الشمس والقمر في دورانها حولها . والقمر حساب يدل العرب في صفو الصحراء على أيام الشهر ، ولقد قال تعالى : هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ . . . ( 5 ) [ يونس ] . ولقد بين سبحانه وتعالى أن الأمور يجب أن توضع في مواضعها ، وأن يعلم أن البر هو التقوى ، وليس المظاهر والأشكال ، كما ورد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن الله